هذه هي الحلقة الثانية من الجزء الثاني من المنظومة الشيطانية الذي يتناول المنظومة الاستخبارية الأمريكية

Publié le

من أهم المواضيع في هذه الحلقة
صعود التيار الصهيوني وسيطرته على كل من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي
 دور صهاينة العرب في إعطاء قبلة الحياة للسي آي إي (العامود الفقري للتيار الصهيوني) بعد أن أوشكت اجراءات كارتر لتقييدها وإصلاحها على خنقها
صهاينة العرب أنشأوا نادي سفاري وبنك الإئتمان والتجارة الدولي الذي يمتلك الشيخ زايد 777% منه وخالد بن محفوظ مؤسس البنك الاهلي السعودي 20% منه لانقاذ السي آي إي والتيار الصهيوني
 كمال أدهم رئيس الاستخبارات السعودية كان هو المحرك الأساسي لصهاينة العرب.

في هذه الحلقة سأتكلم عن الأحداث، وفي الحلقة القادمة سأتكلم عن إجراءات تطوير المنظومة خلال العقد السابع من القرن العشرين.

في الحلقة السابقة تكلمت عن بدايات تأسيس المنظومة الاستخبارية وتطورها مع تقدم ضلوعها في الحرب الباردة. في هذه الحلقة سأتناول التطورات التي حدثت في فترة العقد السابع من القرن العشرين.

عمل الاستخبارات مبني أساساً على الخداع ولذلك سنجد أننا أمام ظاهر وباطن كل منهم يقودنا في اتجاه أو توجهات مختلفة

التوجه الظاهر هو أن الشعب الأمريكي في تلك الفترة مع حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت وتجاوزات السي آي إي، كان رافضاً للتدخل الأمريكي في شؤون الدول الأجنبية وتجاوزات السي آي إي في الداخل والخارج وكان راغباً في إنهاء الحرب الباردة بالوفاق واحترام الشعوب وأن تكون أمريكا دولة مسالمة لا تتدخل في شؤون غيرها وتكون العلاقة بين دول العالم مبنية على المساواة بين كل الشعوب وأن تتعايش الشعوب في سلام بدون أن تتصارع على زعامة العالم وتحاول الشعوب القوية الهيمنة على الشعوب الأضعف منها. هذا كان التوجه العام الظاهر للشعب الأمريكي

ولكن هذا الموضوع لم يعجب الدولة العميقة التي تكونت بالفعل كما رأينا في الحلقة السابقة حول أجهزة الاستخبارات وأندية الكبار وكانوا بالفعل يكتسبون مهارات كبيرة مكنتهم وتمكنهم بالفعل من السيطرة على الدولة والتلاعب بالشعب الامريكي وشعوب العالم، هؤلاء لم يكونوا على استعداد أبداً لا للإصلاح ولا للتنازل عن أطماعهم، هدفهم النهائي الذي لا يمكن أن يتخلوا عنه أبداً هو السلطة والهيمنة. الهيمنة على كل الشعوب، هيمنة ليست لها حدود وأطماع ليست لها نهاية.

وبالتالي هناك توجه ظهر من المحافظين الجدد في أوائل السبعينات باختراق كل المؤسسات الحاكمة في الدولة سنجد ذلك مع هنري جاكسون السيناتور الديمقراطي المقرب من السي آي إي والذي بدأ في تبني مجموعة من الصبية من تلاميذ وولستتر Albert Wohlstetter وليو ستراوس Leo Strauss، هؤلاء التلاميذ والصبية الصغار سيسيطرون على أمريكا والعالم فيما بعد كما رأينا في الجزء الأول من المنظومة الشيطانية الخاص بالمنظمات والشخصيات والذي تناولت فيه كثير من شخصياتهم ومنظماتهم ووسائل عملهم.

آلكسندر هيج سيزرع رامسفيلد في البيت الأبيض وسيسيطر رامسفيلد على البيت الأبيض ويصبح هو المتحكم في السياسة الأمريكية ويتحول الرئيس فورد إلى مجرد أداة في يده ويد المحافظين الجدد المتحالفين مع السي آي إي، ويتمكنوا من تعطيل المحادثات والمفاوضات مع روسيا وإفشال سياسة الوفاق التي يريدها الشعب الأمريكي. ولكن مع قوة توجه الشعب الأمريكي تجاه السلام والوفاق والمساواة بين الشعوب ومنع التدخل الأمريكي في شؤون الغير ووقف انتهاكات السي آي إي، سينجح الرئيس كارتر ضد فورد الرجل الذي سيطر عليه المحافظون الجدد، ونُفاجأ بأن المحافظون الجدد أنفسهم يعملون على خسارة فورد لأن الأمر لا يهمهم كثيراً فقد بنوا خططهم على اختراق كل المؤسسات وعدم الاعتماد على شخصية الرئيس ولكن التحكم فيها. وبالفعل ينجح المحافظون الجدد في السيطرة على كارتر وإفشال سياسات التوافق وجره إلى سياسات فرض الهيمنة الأمريكية (الصهيونية على العالم)

من الأمور الهامة التي قام بها رامسفيلد تعيين جورج بوش مديراً للاستخبارات الأمريكية (30 يناير 1976 – 20 يناير 1977)، بوش سيسمح للمحافظين الجدد (الصهاينة) باختراق السي آي إي والاطلاع على كل أسرارها تسريب تقارير كاذبة في الصحافة (ضد القانون الذي لا يسمح بنشر الأسرار الاستخبارية) تتهم السي آي إي بالقصور في تقييم الخطر السوفيتي. على عكس موقف السي آي إي من لجان تحقيق مجلسي الشيوخ والنواب، والتي عارضتهما السي آي إي والمحافظون بقوة ولم يسمحوا لهم بالحصول على كل المعلومات التي يريدونها كما سنرى في هذه الحلقة.

بوش أيضاً ساعد في تمويل بنك الاعتماد والتجارة الدولي (بمساعدة كمال أدهم والشيخ زايد) لأنشطة السي آي إي بعيداً عن رقابة الحكومة الأمريكية وتأسيس نادي سافاري المكون من أجهزة استخبارات السعودية ومصر والأردن وإسرائيل وإيران والمغرب وفرنسا والسي آي إي (الموازية) ليكون بديلاً للسي آى إيه وليقوم بالعمليات القذرة بدلاً منها فيما بعد عند تولي الرئيس كارتر وقيامه بفرض قيوداً على عمل السي آي إي وميزانيتها (لأن هذا كان التوجه الشعبي الأمريكي الذي تمكن المحافظون الجدد من الالتفاف حوله). يعني المحافظون الجدد كانوا يتوقعون فوز كارتر لأن توجهات الشعب تجاه الوفاق والمسالمة كانت قوية وكانوا مستعدون له، فاستعد المحافظون الجدد بالسيطرة على المؤسسات (مفاصل الدولة) ومنع كارتر من السيطرة الحقيقية عليها وخاصة الاستخبارات ومنعه من القيام بعمل إصلاحات حقيقية تمنع تجاوز أجهزة الاستخبارات وانتهاكاتها في أمريكا والعالم وفي النهاية تمكنهم من إفشال سياسات كارتر والسيطرة عليه وتوجيهه في اتجاهات سياسات الهيمنة على العالم التي يسعون إليها والتي تشكل الاستخبارات فيها عنصراً أساسياً.

يعني قبل فوز كارتر كان المحافظون الجدد مستعدون تماماً تمكنوا من اختراق المؤسسات وتحويل عمل وتمويل السي إي إيه إلى نادي سافاري (أصدقاؤهم في الشرق الأوسط وفرنسا) وبنك الاعتماد والتجارة الدولي وأهم شيء زرع رجلهم بيرجينسكي ليكون مستشار الأمن القومي لكارتر، وهكذا أصبحوا مسيطرين تماماً على كارتر وعلى مقاليد السياسة الأمريكية وقادرين على إفشال ما لا يعجبهم من سياساته والتحكم في العالم من خلال السي آي إي وأعمالها القذرة مع خداع الشعب الأمريكي بأن الإصلاحات التي يريدها جاري العمل بها وهذا أهم عنصر في الديمقراطية وهو أن تخدع الشعب وتوهمه بأن الديمقراطية هي التي تحكم وأن الشعب يحكم بالديمقراطية بينما الحاكم الحقيقي هو الدولة العميقة المنظمة والماهرة في الخداع وفي الإجراءات البيروقراطية والتنظيم.

هناك توجه ظاهري وشكلي بالسيطرة على السي آي إي وعمل إصلاحات أخلاقية بها تمنع انتهاكاتها خاصة في حق الشعب الأمريكي، ولكنها مجرد إصلاحات شكلية لم يكن لها أي تأثير عميق.

هناك توجه سياسي مستمر للهيمنة الأمريكية على العالم لم يتأثر بالاضطراب السياسي الأمريكي الظاهري والسطحي، من ذلك تأييد ودعم الإسلاميين لتحطيم السوفييت ثم توجه فيما بعد، بعد انتهاء دورهم في حسم الحرب الباردة ضد السوفييت لاستخدامهم في صناعة الحرب على الإرهاب لتفكيك العالم الإسلامي لتصبح أمريكا المهيمن الوحيد على العالم. وأيضاً توجيه إيران الى أن تكون قوة نووية كما سنرى بدأ في وقت مبكر لكي تلعب إيران دوراً محورياً فيما بعد في تفكيك العالم الإسلامي كما نراه اليوم.

حدث مهم في نهاية هذا العقد هو تخلي أمريكا عن الشاه واستبداله بحكم إسلامي في إيران تطبيقاً لخطة برنارد لويس لتفكيك وبلقنة الشرق الأدنى الإسلامي:

“في نوفمبر 1978، عين الرئيس كارتر جورج بول George Ball رئيساً لوحدة دفع مهام من البيت الأبيض خاصة بإيران تحت بريجينسكي Brzezinski. بول يوصي بأن الولايات المتحدة يجب أن تسقط دعمها للشاه وأن تدعم المعارضة الإسلامية الراديكالية لآية الله خوميني. هذه الفكرة كانت قائمة على أفكار برنارد لويس الخبير اليهودي البريطاني في الشؤون الإسلامية، الذي دعا إلى بلقنة balkanization كل الشرق الأدنى المسلم إلى خطوط قبلية ودينية. الفوضى ستنتشر إلى ما يسميه “قوس الأزمة arc of crisis”، وتؤدي في النهاية إلى زعزعة الأقاليم الإسلامية للاتحاد السوفيتي. الشاه سيعلق فيما بعد وهو في المنفى قائلاً: “لم أكن أعلم ذلك عندئذ، ربما لم أكن أريد أن أعلم؟ ولكن الأمر واضح لي الآن أن الأمريكيون كانوا يريدونني خارج اللعبة. هذا ما كان يريده مؤيدو حقوق الإنسان في وزارة الخارجية. ماذا كان على أن أفعل أمام قرار الإدارة المفاجئ باستدعاء جورج بول نائب وزير الخارجية السابق إلى البيت الأبيض كمستشار في شؤون إيران؟ بول كان من ضمن الأمريكيين الذين أرادوا استبعادي[1] ، بينما كان هناك جدل لاحق حول سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران في ذلك الوقت، فمن الملاحظ أن إدارة كارتر لم يكن لديها سياسة واضحة بسبب الانقسام والارتباك الداخلي[2]. الشاه تنازل عن العرش يوم 16 يناير 1979م.، وعاد آية الله خوميني إلى إيران يوم 1 فبراير 1979م.، واستولى على الحكم. بريجينسكي سيحاول عمل تحالف مع حكومة الخوميني الأصولية ولكن جهوده ستصل إلى منتصفها مع أزمة الرهائن في نوفمبر 1979م.[3] “

ليس من العجيب أن نكتشف أن خطف إيران وحزب الله لرهائن أمريكيين وقتلهم كان بتدبير مع دوائر في السي آي إي ونادي سافاري وإسرائيل والمحافظين الجدد في أمريكا، وباستخدام نبيه بري وميليشيا أمل وأنه منذ البدايات الأولى للثورة الإيرانية وإسرائيل تدعمها بالسلاح وبالخبراء وتتعاون معها في قصف المفاعل النووي العراقي بقوات إيرانية وتستعين بمعلوماتها لقصف المفاعل النووي العراقي[4] (التعليق رقم 4)

ليس من العجيب أن نجد المحافظون الجدد يستخدمون أزمة الرهائن لإسقاط الرئيس كارتر وتوصيل الرئيس ريغان رجلهم المخلص إلى سدة الحكم.

نحن هنا أمام الحقبة الأمريكية والمنظومة الشيطانية التي تلعب فيها أجهزة الاستخبارات دوراً كبيراً في صياغة السياسات من خلال الخداع والتضليل والتلاعب بالشعوب لها دور أساسي في معركة النخبة الصهيونية من أجل السيطرة والهيمنة على العالم.

في أواخر هذا العقد وبدايات العقد الثامن من القرن العشرين كانت إسرائيل تدعم إيران ضد العراق وأمريكا تدعم الطرفين وتشعل حرباً طويلة ستنتهي بنهاية العراق وبداية تفكيك الشرق الأوسط وتطبيق خطة برنارد لويس.

في نفس الوقت كانت أمريكا تدعم الثوار المسلمين في أفغانستان لتحطيم الاتحاد السوفيتي في نفس الوقت الذي تستعد فيه لعالم تسيطر عليه وحدها وتستعد لخلق أسطورة الإرهاب من هؤلاء الثوار المسلمين الذين كونتهم لتكون حجتها لغزو العالم.

من الأمور الهامة التي يجب أن ننتبه إليها وستظهر معنا في هذه الحلقة: العداء للوهابية، متابعة كل سنت وهللة دخلت للسعودية بشكل خاص ومتابعة كل سنت وهللة تم إنفاقها على الأعمال الخيرية، بناء المساجد جريمة كبرى عند الغرب، أي عمل خيري إسلامي جريمة كبرى عند الغرب، هذا يبين لنا الحسد والكره الشديد لكل ما فيه مسحة ولو بسيطة وسطحية من الإسلام، هذا يذكرنا بإغلاق الجمعيات الخيرية الإسلامية في مصر بعد الانقلاب ويبين لنا بوضوح من الذي يقف وراء ذلك ولماذا وبالتالي من الذي يقف وراء الانقلاب ويحركه. المعركة عنيفة وشرسة الغرب يريد محو الإسلام من القلوب ولذلك يحارب كل شيء في المجتمعات الإسلامية يريد تدمير المجتمع من الداخل وإعادة تشكيله وفق القواعد والمصالح الغربية.

كتاب “The wages of extremism: Radical Islam’s threat to the west and the muslim world“[5] لآلكسندر آلكسيف Alexander Alexiev، مارس 2011، معهد هادسون، من الكتب الهامة التي تبين لنا العداء الغربي للإسلام. الغرب يتعامل مع الإسلام مثلما تعامل مع النازية والفاشية والشيوعية من قبل، يرى أنه مُكلف برسالة مقدسة للقضاء على الإسلام كسبب من أسباب معاناة البشرية والإنسانية، مثلما قضى من قبل على النازية والفاشية والشيوعية. الحرب هنا تتخذ خطوات بوصف الإسلام الصحيح بالإسلام الأصولي ثم إنشاء الإرهاب ونسبته إلى الإسلام الأصولي ثم مقاومة هذا الإسلام الأصولي المتطرف الذي يسبب معاناة البشرية والإنسانية ثم خلق إسلام جديد غربي ليبرالي على القيم الغربية ويحقق المصالح الغربية. هذه الحرب لن تنتهي لأن الغرب يرى أنها مسألة حياة أو موت، الغرب ماضي فيها حتى النهاية ولن يتراجع أبداً إلا بالقضاء على الإسلام تماماً. الحرب شرسة وخبيثة ومتلونة وعلى مراحل كل شيء في المجتمعات الإسلامية هدف للحرب. وهذا سيظهر تطبيقه ومعانيه في حلقات هذه المجموعة بمشيئة الله.

ولذلك الوعي في هذه الحرب شديد الأهمية لأن الحرب شرسة ومخادعة ومضللة، الغرب سيعتمد فيها بشكل أساسي على الخداع والتضليل والإرباك الاجتماعي والصدمات النفسية.

في كل ذلك الوقت كان هناك اتجاه لا يتغير ولا تؤثر فيه الأحداث، اتجاه لتطوير المنظومة الاستخبارية بتطوير الوكالات الاستخبارية وتطوير التكامل بين تلك الوكالات وبين المؤسسات الرئاسية والتشريعية والقضائية، وتطوير البيروقراطية التي تنسق بينهم وإحكام قبضة المحافظين الجدد (الصهاينة أو الدولة العميقة على مفاصل الدولة والإعلام).