في صيدنايا.. فتش عن «إسرائيل»

Publié le

إيهاب زكي
 كانت الحرب على سوريا تهدف إلى كسر عقدة حلف المقاومة بشكلٍ جذري، والتي تمثلها سوريا، حيث كان السيناريو المتخيل والمفترض أن تسقط دمشق بيد معارضات شكلية-عمودها الفقري المتأسلمون- لا تملك من أمرها شيئًا سوى تنفيذ الأوامر الإقليمية والدولية، وعلى رأسها نقل سوريا من ضفة الممانعة إلى ضفة الاستسلام، وهذا السيناريو كان يصب في خدمة "إسرائيل" بشكلٍ ماديٍ عنيفٍ ومباشر. ومع تسارع الأحداث وفشل السيناريو المفترض والصمود السوري، تم ابتكار سيناريوهات متعددة باعتماد الحالة الليبية أو اللبننة أو الأفغنة وحتى الصوملة، وكلها تصب في نهاية المطاف في رافد المصلحة "الإسرائيلية"، ولم يكن استغلال الجانب القانوني مستبعدًا من تلك السيناريوهات، خصوصًا بعد فشل الرهان على إسقاط الدولة السورية من خلال العنف والإرهاب، ولكن اللافت أن هذا الجانب القانوني أيضًا، يصر أطراف العدوان على أن يجعلوه يصب مباشرةً في خدمة "إسرائيل" بشكلٍ معنوي ناعم مباشر وغير مباشر، وقد كانت منصة أستانة فرصة دعائية ليطلق أطراف العدوان كلمة السر لانطلاق الهجمة القانونية، عبر مندوبهم محمد علوش.
حين ركَّز المدعو محمد علوش في أستانة على الرقم 130000 من المعتقلات في السجون السورية، لم يكن الأمر بحاجة لكثيرٍ من الفراسة لاستشراف الآتي، وبالفعل فقد بدأت مرحلة من الضغط القانوني من باب السجون، وقد اجتمعت منظمات دولية قانونية وحقوقية وإقليمية و"سورية"، وأيضًا "شهود عيان" من معتقلين سابقين وخبراء قانونيين مع تغطية مكثفة ومركزة لإعلام النفط والممول نفطيًا، ويُفتح الهواء لساعاتٍ طويلة لمن يتحدثون عن تجاربهم داخل المعتقلات، ومن شدة المبالغة فيما تسمع تظن بأنك تشاهد فيلمًا هنديًا فاشلًا، لمخرجه ذاكرة الذبابة رغم جموح خياله. فإحدى الشهادات تقول مثلًا إنّ محكمة تنعقد في سجن صدنايا، وهي محكمة لا براءة فيها، وفي شهادة لاحقة بأن الأمن اعتقل قاصرةً في سن 17 عامًا بتهمة إطلاق النار على الجيش، وحين امتثالها أمام المحكمة ضحك القاضي لصغر حجمها فأطلق سراحها، وشاهدٌ آخر رأى من ثقبٍ صغير في باب مهجعه مئات الإعدامات، وهذا يعني أن هذا الثقب هو البلورة السحرية، التي تستطيع من خلالها رؤية أطراف الأرض الأربعة، ويجب تسجيله كبراءة اختراع لهذا الشاهد.
 حتى أنّ الأقمار الصناعية رصدت توسع حجم المقابر وزيادة عديدها في سجن صيدنايا، رغم أن الشهادات المنقولة في أغلبها تفيد بأن "النظام" يسلم الجثث لأهالي الضحايا بعد عدة أيام من عملية الإعدام، وهذه الشهادات نافرة التناقض، لا تحتاج لكثير عناء لتفنيدها، ولكنها ترسخ كمسلمات في عقل المتلقي، باعتباره مهيّأً لاستقبال كل المتناقضات طالما تصب في خانة انطباعاته المسبقة. فتلك العقول لو قيل لها بأن "النظام السوري" مسؤول عن وجود الثقب الأسود لن تجادل حتى من باب كيفية قدرة "النظام" على فعل ذلك، والأخطر من ذلك أنه يتم التركيز على المقارنة بممارسات العدو الصهيوني، وهنا عين الإستفادة المعنوية المباشرة، وهو تركيز لا يتم بعبثية أو بمجرد المصادفة، لأنه يتم عبر القنوات من الضيف والمضيف، فتقول مثلًا مذيعة العربية "عملت كثيرًا على ملفات معتقلين فلسطينيين في السجون الإسرائيلية، واعتبرت ألّا شيء سيفاجئني بعد ذلك، ولكن سجون النظام فاجأتني"، فيرد ضيفها فايز سارة "إن ملائكية الجلاد لا تقارن بشياطين النظام"، "وقد زرت متحف..." ثم استدرك "قرأت وسمعت كثيرًا عن أساليب التعذيب عبر العصور، لم أرَ مثلما يفعل النظام"، ويبدو أنه كان يقصد أنه زار متحف ما يسمى بـ"الهلوكوست".
 وهذا التركيز تستفيد منه "إسرائيل" على أكثر من جانب، أولًا فهو يجعل من ممارساتها اللاإنسانية بحق المعتقلين الفلسطينيين عملًا يقارب المشروعية، كما أنه يزيد من هامشية قضايا المعتقلين في سجون الاحتلال ثانيًا، ويجعل من الاحتقان الجماهيري موجهًا في الاتجاه الخاطئ ثالثًا، ورابعًا هذا ما يبرر للعقليات المتقرحة أن تتقيح حروفًا بشكلٍ علني دونما خجلٍ فتكتب على صفحات الجرائد "أن على أمريكا طمأنة حلفائها التاريخيين "إسرائيل" والعرب السنة"، وخامسًا تعيد تذكير العالم بما يسمى بـ"الهولوكوست" من خلال المقارنة بين ممارسات النازية وما يشيعونه عن السجون السورية. وهذا بالضرورة يستتبع ولو بشكلٍ غير مباشر استقطاب التعاطف العربي مع "الهولوكوست" من خلال المقارنة، ثم يأتي الجانب القانوني كأحد أوجه الضغط من خلال المطالبات بتحويل ملف المعتقلين إلى الجنائية الدولية، وهذا يعيد إلى الذاكرة ملف الرئيس السوداني، والذي مقابل تجميد المطالبات باعتقاله تخلى عن جنوب السودان لـ"إسرائيل". وبالمناسبة، فإنّ المطالبات بلجان تحقيق دولية لزيارة السجون السورية-كما تطالب المنظمات الدولية أو ما تسمى بـ"المعارضات السورية"-، ليست بهدف البحث عن الحقيقة بل بهدف البحث عن الذرائع، لذلك فإنّ الدخول في معترك قانوني يعتريه التزوير وسوء النية هو معترك ليس مأمونًا، أما المعترك الإعلامي هو الأنجع، فالدولة التي تعيد تسوية أوضاع القتلة وتأهيلهم إنسانيًا ومجتمعيًا، لن يضيرها فتح السجون أمام الإعلام، ولن تعوزها الحكمة لفعل ذلك بالشكل المناسب.

 
 
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article