جرائم الحرب الأميركية في سورية

Publié le par samir

ترجمة ليندا سكوتي

أكدت النتائج التي خلصت إليها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المشكلة من قبل الأمم المتحدة إلى أن جرائم حرب قد ارتكبتها حكومة الولايات المتحدة الأميركية في سورية بلغ أعتاها ما قام به البنتاغون من توجيه للقوات المسلحة بقصف مدينة الرقة التي تعتبر بمثابة عاصمة لما يسمى "الخلافة الإسلامية" في العراق وسورية حيث أفضت العمليات العسكرية إلى خسارة كبيرة في الأرواح وجعلت أكثر من 160 ألف مدني مضطرين للفرار من منازلهم، وذلك وفقا لما صرح به رئيس لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة باولو بينيرو.

لقد القت الطائرات الأميركية عشرات الآلاف من القذائف على الرقة والمناطق المحيطة بها، الأمر الذي أفضى إلى إصابة الآلاف من الرجال والنساء والأطفال السوريين نتيجة لقيام وحدات المارينز الأميركية (التي أنزلت قوات لها بشكل غير شرعي وعمدت إلى نشرها على الأرض السورية) باستخدام اسلحتها الفتاكة وإطلاق قذائفها على المناطق المكتظة بالسكان، يضاف إلى ذلك الهجمات التي نفذتها طائرات الاباتشي التي أمنت الغطاء الجوي لما يسمى بقوات سورية الديمقراطية التي تعتبر القوى الوكيلة لواشنطن وتسيطر عليها ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية التي تلقى الدعم والتوجيه من قبل قوات العمليات الخاصة الأميركية.‏

لقد ارتكب البنتاغون جرائم وحشية ورد ذكرها في تقارير لا لبس فيها ولا غموض حيث جاء بها بأن وحدات المدفعية الأميركية قد اطلقت قذائف الفسفور الأبيض على الرقة والموصل. علما بأن الأسلحة الكيماوية الحارقة محظور استخدامها في المناطق المأهولة وفقا للقانون الدولي لما تتسبب به من حروق تصل إلى العظم، فضلا عن الاختناق الذي يصاب به من يتعرض لتلك الغازات الصادرة عن تلك القذائف والاحتراق من الداخل.‏

سلاح فتاك آخر تم توظيفه ضد السكان في الرقة والموصل ألا وهو صاروخ أم جي إم-140 بي والذي يتفجر بعنف في الهواء ويتبعثر على شكل قنابل، كل واحدة منها قادرة على قتل أي شخص يكون في مداها. ففي الشهر الماضي، صرح وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس لوسائل الإعلام بأن البنتاغون يتبنى "تكتيكات الإبادة" في حملته الموجهة ضد داعش مضيفا، "أن الإصابات المدنية كانت نتيجة كونهم في المكان المستهدف"‏

وفي هذا السياق، نستذكر بأن ماتيس أجرى في عام 2004 حصارا خانقا على الفلوجة افضى إلى إزهاق أرواح الآلاف من المدنيين العراقيين، الأمر الذي يحاكي الأعمال الوحشية الأخيرة التي ترتكبها أميركا من خلال استخدامها الفوسفور الأبيض ضد السكان المدنيين.‏

من المؤكد بأن التدخل العسكري الأميركي في العراق وسورية لا يهدف البتة للقضاء على داعش التي تعتبر من نتائج الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 واحتلاله، بل أن الولايات المتحدة عمدت إلى توظيف المقاتلين الإسلاميين بصفة عملاء لها كي تتمكن من اسقاط دول مثل سورية وليبيا. وفي الحين الذي تحاط به الرقة بقوات تحظى بدعم أميركي من الشمال والشرق والغرب يجري فتح طريق أمام مقاتلي داعش إلى الجنوب بهدف تأمين ممر لهم إلى محافظة دير الزور وهناك بإمكانهم محاربة الجيش السوري المرابط هناك. وعلى نحو مشابه، فإن مقاتلي داعش سيسمح لهم بالفرار من الموصل للعبور عبر الحدود مع سورية لنفس الهدف.‏

من الواضح بأن أهداف واشنطن الاستراتيجية في العراق وسورية لا تتمثل بمحاربة الإرهاب بل بفرض الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط الغني بالنفط والاستعداد لحرب ضد من يعرقل تحقيق أهدافها كروسيا وإيران. إذ أن الامبريالية الأميركية لو تمكنت من بسط سيطرتها على الخليج وأسيا الوسطى فستعمد إلى قطع امدادات الطاقة عن الصين التي تعتبر منافستها الرئيسة في العالم.‏

إن الأطماع الأميركية تعتبر السبب الرئيس لارتكاب جرائم الحرب، ليس في العراق وسورية فحسب. ففي اليمن حيث تدعم واشنطن حرب إبادة تقودها المملكة السعودية، إذ نجد أن ترامب خلال زيارته إلى الرياض في الشهر الفائت قد أعلن عن صفقة أسلحة تم عقدها مع المملكة بقيمة 110 بليون دولار، وبموجبها سيتم تزويد المملكة بالقنابل والقذائف التي ستمطرها على المدنيين في أفقر دولة في العالم العربي.‏

وقد سبق لإدارة أوباما أن عقدت صفقة تقوم بها واشنطن بتزويد السعودية بالمساعدات اللوجسيتة والاستخباراتية في حربها على اليمن، كما تدعم البحرية الأميركية الحصار البحري الذي أفضى إلى تجويع السكان وحال دون دخول الأدوية اللازمة إلى اليمن وقد أفضت تلك الحرب إلى مصرع أكثر من 12000 شخص، وجعلت أكثر من 7 ملايين يمني على حافة الجوع، بينما انتشرت الكوليرا التي تهدد حياة الآلاف أيضا حيث ذكرت تقارير حماية الأطفال بأن طفلاً يمنياً يصاب بهذا المرض كل 35 ثانية.‏

لم تكتف واشنطن بما أقدمت عليه في العراق وسورية بل نجد أنها تستعد الآن لتصعيد مذابحها في افغانستان، حيث ذكر مسؤولون أميركيون بأن ترامب أعطى ماتيس تفويضا بإقامة قواعد للجيش الأميركي في البلاد التي احتلتها منذ عام 2001. وثمة توقعات بنشر الآلاف من الجنود، بهدف تنفيذ الإبادة التي يفضلها وزير الدفاع. وبدا ذلك جليا عندما قصفت القوات الأميركية مدنيين بشكل عشوائي ما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين.‏

وعلى الرغم مما نشهده من أعمال وحشية ترتكبها الولايات المتحدة على الساحة الدولية، نلاحظ غيابا لمعارضة منظمة لجرائم الحرب الأميركية. فالحروب المستمرة ليست موضعا للنقاش في الكونغرس بل تلقى الدعم من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. ووسائل الإعلام التي تعتبر ذراع البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية لم تبد اهتماما بجرائم الحرب الأميركية، بل جل اهتمامها ينصب على ادعاءات ومزاعم تتعلق بسورية وروسيا.‏

وإزاء ما ذكر آنفا فإن الضرورة تستدعي تشكيل حركة مناهضة للحروب ذلك لأن جرائم الحرب التي ترتكبها واشنطن في سائر أنحاء العالم تهدد باندلاع نزاع نووي على مستوى العالم أجمع. ومثل تلك الحركة تتطلب بالضرورة تعبئة الطبقة العاملة لوضع حد للرأسمالية التي تعتبر مصدراً للحروب على مدى العهود.‏

 
 
جرائم الحرب الأميركية في سورية
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article